*منجد شريف*
تستمرّ فصول الملحمة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في لحظة تاريخية فارقة تأتي على أنقاض حرب شعواء، لم توفر في سعيرها هامات القيادة، وعلى رأسهم المرشد الأعلى السيد الشهيد علي خامنئي. وفي غمرة هذا التصعيد، يبرز المشهد اللبناني كساحة لاختبار الصبر والدم؛ حيث تعيش البلاد “هدنة” لا توجد إلا في القواميس السياسية، بينما يمزقها العدو بخروقات يومية تفضح نواياه الحقيقية.
لطالما سُجل للدبلوماسية الإيرانية قدرتها الفائقة على إدارة الأزمات بـ “نفس طويل” مستمدّ من عراقة حياكة السجاد العجمي؛ تلك الحرفة التي لا تكتمل إلا بالصبر والدقة المتناهية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تجدي هذه العبقرية نفعاً أمام عدو مخادع لا يقيم للعهود وزناً؟ إنّ المراهنة على المواثيق مع طرف يقتات على نكث الوعود تبدو مغامرة كبرى، لولا أنّ الجانب الإيراني يدرك تماماً أنّ طاولة المفاوضات ليست إلا انعكاساً لموازين القوى على الأرض.
لقد كشفت المواجهة الأخيرة زيف “الهيمنة الأميركية” التي طالما تغنّى بها الغرب. تلك الصوَر النمطية للبطولات الهوليودية والقدرات المطلقة للترسانة العسكرية سقطت في وحل الواقع. لم تكن الصواريخ والطائرات قادرة على ليّ ذراع الإرادة الشعبية، بل إنها عمّقت المأزق الأميركي، وكشفت أنّ عالم “الأحادية القطبية” يلفظ أنفاسه الأخيرة.
اليوم، تبرز الجغرافيا السياسية كلاعب أقوى من الأساطيل؛ فمضيق هرمز وباب المندب تحوّلا إلى مفاتيح للاقتصاد العالمي، موازنةً بذلك كلّ الترسانة “الصهيو ـ أميركية” ومؤكدةً أنّ من يملك الأرض والممرات يملك القرار.
ولا يمكن قراءة هذا الاقتدار بمعزل عن النهضة العلمية الفائقة؛ فحين يضخ النظام التعليمي الإيراني سنوياً مئتي عالم في الفيزياء الذرية والعلوم النووية، فنحن لا نتحدث عن أرقام أكاديمية، بل عن “مفاعلات بشرية” وضمانة لاستدامة المشروع الإيراني بعيداً عن الارتهان للخارج. هؤلاء العلماء هم المحرك الأساسي لآلة تصنيعية هائلة استطاعت اجتراح المعجزات من رحم الحصار، محوّلةً المعرفة إلى “درع وطني” من الصواريخ والمُسيّرات التي قلبت موازين الردع التقليدية، وجعلت الأسلحة منخفضة التكلفة قادرة على تحييد المنظومات الدفاعية المليارية للعدو. كما امتدّ أثر هذه العقول ليخلق “اقتصاد مقاومة تقني” في قطاعات الطب والنانوتكنولوجي، مما منح إيران قدرة هائلة على التأقلم مع الحصار الاقتصادي والعزلة التي عاشتها منذ نشأة الثورة على يد الإمام الخميني، وجعل من البرنامج النووي “ثقافة أمة” ولّادة لا تتأثر باغتيال أو ترهيب.
هي اليوم تجني ثمار ذلك الصمود، وهذه القدرة على التأقلم هي ما يمنح المفاوض الإيراني القوة لرفض الإملاءات. في تتخبّط أميركا اليوم في وحل حروبها العبثية، ولا تجد مخرجاً يضمن لها الحفاظ على ما تبقى من ماء وجهها إلا عبر اتفاقية تضمن السلام الدائم، خاصة بعد أن دمّرت إدارة ترامب ـ بدعم من نتنياهو واللوبي الصهيوني ـ كلّ جسور الثقة السابقة.
أما في لبنان، فإنّ العدو الإسرائيلي، العاجز عن تحقيق نصر عسكري حاسم، يحاول استغلال الثغرات لتنفيذ أجندته القديمة في قضم الأراضي وتغيير الوقائع الجغرافية. إنها معركة وجودية، حيث يمتزج الظلم الصهيوني بالأطماع التوسعية، لكن سنّة الحياة تؤكد أنّ لكلّ ظلم نهاية، وأنّ الإرادات الصلبة هي التي تكتب السطر الأخير في كتاب التاريخ.
إنّ المواجهة الحالية ليست مجرد صراع على اتفاق نووي أو حدود جغرافية، بل هي مخاض لولادة عالم جديد تسقط فيه الهيمنة، وتتحرّر فيه الشعوب من إرث الحروب العبثية التي فُرضت عليها لعقود…



